محمد بن وليد الطرطوشي

459

سراج الملوك

الشرفى : بما ثبت عندي وأمعنت النظر فيه ، قال الفقيه : أوقفني عليه . فأخذ السّجل ونظر فيه ، فقال : أخبرني بمن قتلته ومن هؤلاء الشهود ؟ قال : بهذا وهذا ، حتى عدّ خمسة . قال الفقيه : فبجميعهم تقتله ؟ قال : نعم ، قال : فلو شهد منهم اثنان خاصة كنت تقتله ؟ قال : لا ، إنما قوّى بعضهم بعضا ، وزكّى أكثرهم عندي ، فالتفت الفقيه إلى الفقهاء المشاورين ، فقال : يا هؤلاء ، بالدعائم « 1 » يقتل المسلمون عندكم وتسفك دماؤهم ؟ فلست أرى قتله ولا أشير به . فرجع الفقهاء إلى قوله ، ولم يروا عليه شيئا بعد ما أفتوا بقتله منذ ستة أشهر ، فانفض الجميع وشيم السيف « 2 » . وطار البشير إلى ابن أبي عامر فأخبره بالمجلس ، فقال ابن أبي عامر : مضيتم تقتلون ابن السنبسي « 3 » فدفنتم القاضي : قد اجتهدنا للدين ولا قاتل لمؤجّل ، فحبس أياما ثم أطلق ، فكان ابن ذكوان « 4 » الفقيه يقول للقاضي في مثل هذا قال القائل إذا سئل : بم عرفت الله ؟ قال : بنقضه عزائمى . ومعنى الدعائم - على لسان الفقيه - : هم الشهود : الذين لو انفرد منهم اثنان لم يثبت الحكم ، ولا قبلا فيه ، فإذا كثروا قوّى بعضهم بعضا فلا يثبت الحكم بهم . وفي نقيض هذا ، ما حدثني القاضي أبو مروان الداني « 5 » بطرطوشة - وقد ولى قضاءها - فتذاكرنها يوما ، فقال : نزلت قافلة بقرية خربة من أعمال دانية « 6 » ، فأووا إلى دار خراب هناك ، ليستكنّوا من الرياح والأمطار ، واستوقدوا نارهم وسوّوا معيشتهم ، وقرب تلك الخربة حائط مائل قد أشرف على الوقوع ، فقال رجل منهم لأهل القافلة : يا هؤلاء ، لا تقعدوا تحت هذا

--> ( 1 ) الدعائم : الشهود على صفة معينة . ( 2 ) شيم السيف : وضع في غمده . ( 3 ) أي قاسم بن محمد السنبسى المتهم بالزندقة في القصة . ( 4 ) ابن ذكوان : أحمد بن عبد اللّه أبو العباس - قاضى القضاة بالأندلس - ولاه المنصور بن أبي عامر القضاء بقرطبة ، وجعله من خاصته ومحله منه فوق محل الوزراء ، وبقي ابن ذكوان مع أولاد المنصور حتى انقرضت دولة بنى عامر ، وقامت الفتن في قرطبة فنفى منها ثم رجع واعتزل الناس ومات سنة 413 ه . ( الأعلام 1 / 156 ) . ( 5 ) أبو مروان الداني : نسبة إلى دانية مرفأ بالأندلس . ( 6 ) دانية : مرفأ جنوب بلنسية في الأندلس ، كانت مملكة مزدهرة في عهد مجاهد العامري من ملوك الطوائف واشتهرت باسطولها ، ونسب إليها القاضي أبو مروان الداني .